ملا محمد مهدي النراقي

224

جامع السعادات

الجزع ومنها : وهو إطلاق دواعي الهوى ، من الاسترسال في رفع الصوت ، وضرب الخدود ، وشق الجيوب ، أو ضيق الصدر والتبرم والتضجر . وهو وأن كان من نتائج ضعف النفس وصغرها الذي من رذائل القوة الغضبية فقط ، إلا أنه لما كان ضده الصبر ، وله أقسام بعضها من متعلقات القوة الشهوية - كما يأتي - فلذلك لم نذكره في متعلقات قوة الغضب فقط ، بل ذكرناه هنا . ثم الجزع في المصائب من المهلكات ، لأنه في الحقيقة إنكار لقضاء الله ، وإكراه لحكمه ، وسخط على فعله . ولذا قال رسول الله ( ص ) : ( الجزع عند البلاء تمام المحنة ) وقال ( ص ) : ( أن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ) . وفي الخبر القدسي : ( من لم يرض بقضائي ، ولم يشكر على نعمائي ، ولم يصبر على بلائي ، فليطلب ربا سواي ) . وروي : ( أن زكريا لما هرب من الكفار ، واختفى في الشجرة ، وعرفوا ذلك ، جاؤوا بالمنشار فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار رأس زكريا ، فأن أنة ، فأوحى الله إليه : يا زكريا ! لئن صعدت منك أنة ثانية لأمحونك من ديوان النبوة ! فعض زكريا ( ع ) على أصبعه حتى قطع شطرين ) وبالجملة : العاقل يعلم أن الجزع في المصائب لا فائدة فيه ، إذ ما قدر يكون ، والجزع لا يرده . ولا ريب في أنه يترك الجزع بعد مضي مدة ، فليتركه أولا حتى لا يضيع أجره . وقد نقل : ( أنه مات ابن لبعض الأكابر ، فعزاه مجوسي ، وقال له : ينبغي للعاقل أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام . فقال : اكتبوه عنه ) . وقال الصادق ( ع ) : الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور والصفاء ، والجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة والوحشة . والصبر يدعيه كل أحد وما يثبت عنده إلا المخبتون ، والجزع ينكره كل أحد وهو أبين على المنافقين ، لأن نزول المحنة والمصيبة يخبر عن الصادق والكاذب . وتفسير الصبر ما يستمر مذاقه ، وما كان عن اضطراب لا يسمى صبرا . وتفسير الجزع اضطراب القلب وتحزن الشخص ، وتغير اللون